فصل: سئل: عمن يقول‏:‏:‏ إن الدعاء المستجاب عند قبور أربعة ؟

/ﻪـ 
البحث:

هدايا الموقع

هدايا الموقع

روابط سريعة

روابط سريعة

خدمات متنوعة

خدمات متنوعة
الصفحة الرئيسية > شجرة التصنيفات
كتاب: مجموع فتاوى ابن تيمية **


/ وَسُئِل ـ رحمه الله ـ عن هؤلاء ‏[‏الزائرين قبور الأنبياء والصالحين‏]‏ كقبر الخليل وغيره، فيأتون إلى الضريح ويقبلونه، والقوام بذلك المكان، أي من جاء يأتونه ويجيئون به إلى الضريح، فيعلمونهم ذلك، ويقرونهم عليه‏.‏ فهل هذا ما أمر الله تعالى به ورسوله أم لا‏؟‏ وهل في ذلك ثواب وأجر أم لا‏؟‏ وهل هو من الدين الذي بعث الله ـ سبحانه ـ به رسوله صلى الله عليه وسلم أم لا‏؟‏ وإذا لم يكن كذلك وكان أناس يعتقدون أن هذا من الدين ويفعلونه على هذا الوجه، فهل يجب أن ينهوا عن ذلك أم لا‏؟‏ وهل استحب هذا أحد من الأئمة الأربعة أم لا‏؟‏ وهل كانت الصحابة والتابعون يفعلون ذلك أم لا‏؟‏ وإذا كان في القوام أو غيرهم من يفعل ذلك، أو يأمر به أو يقر عليه لأجل جعل يأخذه أو غير ذلك، فهل يثاب ولي الأمر على منع هؤلاء أم لا‏؟‏ وهل إذا لم ينتهوا عن ذلك فهل لولي الأمر أن يصرف عن الولاية من لم ينته منهم أم لا‏؟‏ والكسب الذي يكسبه الناس من مثل هذا الأمر هل هو كسب طيب أو خبيث‏؟‏ وهل يستحقون مثل هذا الكسب، أم يؤخذ منهم ويصرف في / مصالح المسلمين‏؟‏ وهل يجوز أن يقام إلى جانب ‏[‏مسجد الخليل‏]‏ السماع الذي يسمونه ‏[‏النوبة الخليلية‏]‏ ويقام عند ذلك سماع يجتمعون له ، الفقراء وغيرهم وفيه الشبابة أم لا ‏؟‏ والذي يصفر بالشبابة مؤذن بالمكان المذكور هل يفسق أم لا‏؟‏ وهل إذا لم ينته يصرفه ولي الأمر أم لا‏؟‏ وإذا لم يستطع ولي الأمر أن يزيل ذلك، فهل له أن ينقل هذه النوبة المذكورة إلى مكان لا يمكن الرقص فيه لضيق المكان أم لا‏؟‏

فأجاب ـ رضي الله عنه ‏:‏

الحمد لله رب العالمين، لم يأمر الله ولا رسوله ولا أئمة المسلمين بتقبيل شيء من قبور الأنبياء والصالحين، ولا التمسح به، لا قبر نبينا صلى الله عليه وسلم، ولا قبر الخليل صلى الله عليه وسلم، ولا قبر غيرهما، بل ولا بالتقبيل والاستلام لصخرة بيت المقدس، ولا الركنين الشاميين من البيت العتيق، بل إنما يستلم الركنان إلىمانيان فقط؛ اتباعًا لسنة النبي صلى الله عليه وسلم، فإنه لم يستلم إلا إلىمانيين، ولم يقبل إلا الحجر الأسود‏.‏ واتفقوا على أن الشاميين لا يستلمان ولا يقبلان‏.‏

واتفقوا على أن إليمانيين يستلمان، واتفقوا على تقبيل الأسود‏.‏

وتنازعوا في تقبيل إليماني‏؟‏ على ثلاثة أقوال معروفة‏.‏ قيل‏:‏ / يقبل‏.‏وقيل‏:‏يستلم وتقبل اليد‏.‏ وقيل‏:‏ يستلم، ولا تقبل اليد‏.‏ وهذا هو الصحيح، فإن الثابت عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه استلمه ولم يقبله، ولم يقبل يده لما استلمه، ولا أجر ولا ثواب فيما ليس بواجب ولا مستحب؛ فإن الأجر والثواب إنما يكون على الأعمال الصالحة، والأعمال الصالحة إما واجبة وإما مستحبة‏.‏

فإذا كان الاستلام والتقبيل لهذه الأجسام ليس بواجب ولا مستحب لم يكن في ذلك أجر ولا ثواب، ومن اعتقد أنه يؤجر على ذلك ويثاب فهو جاهل ضال مخطئ، كالذي يعتقد أنه يؤجر ويثاب إذا سجد لقبور الأنبياء والصالحين، والذي يعتقد أنه يؤجر ويثاب إذا دعاهم من دون الله، والذي يعتقد أنه يؤجر ويثاب إذا صور صورهم، كما يفعل النصارى ودعا تلك الصور، وسجد لها، ونحو ذلك من البدع التي ليست واجبة ولا مستحبة، بل هي إما كفر وإما جهل وضلال‏.‏

وليس شيء من هذا من الدين الذي بعث الله به محمدًا صلى الله عليه وسلم باتفاق المسلمين‏.‏ ومن اعتقد أن هذا من الدين وفعله وجب أن ينهى عنه، ولم يستحب هذا أحد من الأئمة الأربعة، ولا فعله أحد من الصحابة والتابعين لهم بإحسان‏.‏

ومن أمر الناس بشيء من ذلك أو رغبهم فيه أو أعانهم عليه /من القوام أو غير القوام، فإنه يجب نهىه عن ذلك، ومنعه منه‏.‏ ويثاب ولي الأمر على منع هؤلاء، ومن لم ينته عن ذلك فإنه يعزر تعزيرًا يردعه‏.‏ وأقل ذلك أن يعزل عن القيامة، ولا يترك من يأمر الناس بما ليس من دين المسلمين‏.‏

والكسب الذي يكسب بمثل ذلك خبيث، من جنس كسب الذين يكذبون على الله ورسوله، ويأخذون على ذلك جُعْلاً، ومن جنس كسب سَدَنة الأصنام الذين يأمرون بالشرك ويأخذون على ذلك جعلا؛ فإن هذه الأمور من جملة ما نهى عنه من أسباب الشرك ودواعيه وأجزائه، وقد قال صلى الله عليه وسلم‏:‏ ‏(‏اللهم لا تجعل قبري وثنًا يعبد‏)‏‏.‏ رواه مالك في الموطأ وغيره‏.‏ وقال صلى الله عليه وسلم‏:‏ ‏(‏لا تتخذوا قبري عيدًا، وصلوا على حيثما كنتم، فإن صلاتكم تبلغني‏)‏‏.‏ رواه أبو داود وغيره‏.‏ وفي الصحيحين عنه‏:‏ أنه قال‏:‏ ‏(‏لعن الله اليهود والنصارى اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد‏)‏ ـ يحذر ما فعلوا‏.‏ قالت عائشة‏:‏ ولولا ذلك لأبرز قبره، ولكن كره أن يتخذ مسجدًا‏.‏ وفي الصحيح عنه‏:‏ أنه قال قبل أن يموت بخمس‏:‏ ‏(‏إن من كان قبلكم كانوا يتخذون القبور مساجد، ألا فلا تتخذوا القبور مساجد، فإني أنهاكم عن ذلك‏)‏‏.‏ وفي المسند وصحيح أبي حاتم عنه صلى الله عليه وسلم‏:‏ أنه قال‏:‏ ‏(‏إن من شرار الناس من / تدركهم الساعة وهم أحياء، والذين يتخذون القبور مساجد‏)‏‏.‏ والأحاديث والآثار في ذلك كثيرة‏.‏

ولهذا لم يكن الصحابة يسافرون إلى ‏[‏قبر الخليل‏]‏ ولا غيره من قبور الصالحين، ولا سافروا إلى زيارة ‏[‏جبل طور سيناء‏]‏ وهو ‏{‏الْبُقْعَةِ الْمُبَارَكَةِ‏}‏ ‏[‏القصص‏:‏ 30‏]‏، و‏[‏الوادي المقدس‏]‏ الذي ذكره الله في كتابه، وكلم عليه كليمه موسى، بل ولا كان النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه في حياته وبعد مماته يزورون ‏[‏جبل حِرَاء‏]‏ الذي نزل الوحي على رسول الله صلى الله عليه وسلم فيه، ولم يكونوا يزورون بمكة غير المشاعر ـ كالمسجد الحرام ، ومني، ومزدلفة وعرفة ـ في الحج‏.‏ وكذلك لم يكن أحد من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم، يقصد الدعاء عند قبر أحد من الأنبياء، لا قبر نبينا صلى الله عليه وسلم، ولا قبر الخليل، ولا غيرهما‏.‏

ولهذا ذكر الأئمة ـ كمالك وغيره ـ أن هذا بدعة، بل كانوا إذا أتوا إلى قبر النبي صلى الله عليه وسلم يسلمون عليه، ويصلون عليه، كما ذكر مالك في الموطأ‏:‏ أن ابن عمر كان إذا أتي قبر النبي صلى الله عليه وسلم صلى عليه، وعلى أبي بكر وعمر‏.‏ وفي رواية عنه‏:‏ كان يقول‏:‏ السلام عليك يا رسول الله، السلام عليك يا أبا بكر، السلام عليك يا أبت‏.‏ ثم ينصرف‏.‏

ومن اكتسب مالاً خبيثاً؛ مثل هذا الذي يأمر الناس بالبدع /ويأخذ على ذلك جُعْلاً، فإنه لا يملكه، فإذا تعذر رده على صاحبه، فإن ولاة الأمور يأخذونه من هذا الذي أكل أموال الناس بالباطل، وصد عن سبيل الله، ويصرفها في مصالح المسلمين التي يحبها الله ورسوله، فيؤخذ المال الذي أنفق في طاعة الشيطان فينفق في طاعة الرحمن‏.‏

و ‏[‏أما السماع‏]‏ الذي يسمونه‏:‏ ‏[‏نوبة الخليل‏]‏، فبدعة باطلة لا أصل له، ولم يكن الخليل صلى الله عليه وسلم يفعل شيئًا من هذا، ولا الصحابة لما فتحوا البلاد فعلوا عند الخليل شيئًا من هذا، ولا فعل شيئًا من هذا رسول الله صلى الله عليه وسلم ولا خلفاؤه، بل هذا إما أن يكون من إحداث النصارى؛ فإنهم هم الذين نقبوا حجرة الخليل بعد أن كانت مسدودة لا يدخل أحد إليها‏.‏ وإما أن يكون من إحداث بعض جهال المسلمين، ولا يجوز أن يقام هناك رقص ولا شبابة، ولا ما يشبه ذلك، بل يجب النهى عن ذلك، ومن أصر على حضور ذلك من مؤذن وغيره قدح ذلك في عدالته، والله أعلم‏.‏

/ وَسُئِــل ـ قدس الله روحه ـ عن حكم قول بعض العلماء والفقراء‏:‏ إن الدعاء المستجاب عند قبور أربعة ـ من أصحاب الأئمة الأربعة ‏[‏قبر الفندلاوي‏]‏ من أصحاب مالك، و‏[‏قبر البرهان البلخي‏]‏ من أصحاب أبي حنيفة، و‏[‏قبر الشيخ نصر المقدسي‏]‏ من أصحاب الشافعي، و‏[‏قبر الشيخ أبي الفرج‏]‏ من أصحاب أحمد ـ رضي الله عنهم‏.‏ ومن استقبل القبلة عند قبورهم ودعا استجيب له‏.‏ وقول بعض العلماء عن بعض المشائخ يوصيه‏:‏ إذا نزل بك حادث أو أمر تخافه استوحني ينكشف عنك ما تجده من الشدة؛ حيًا كنت، أو ميتًا‏.‏ ومن قرأ آية الكرسي واستقبل جهة الشيخ عبد القادر الجيلاني وسلم عليه سبع مرات يخطو مع كل تسليمة خطوة إلى قبره قضيت حاجته ، أو كان في سماع فإنه يطيب ويكثر التواجد‏.‏ وقول الفقراء‏:‏ إن الله تعالى ينظر إلى الفقراء بتجليه عليهم في ثلاثة مواطن‏:‏ عند مد السماط ، وعند قيامهم في الاستغفار أو المجارات التي بينهم ، وعند السماع‏.‏ وما يفعله بعض المتعبدين من الدعاء عند قبر زكريا، وقبر هود، والصلاة عندهما، والموقف بين شرقي رواق الجامع بباب الطهارة بدمشق،/ والدعاء عند المصحف العثماني، ومن ألصق ظهره الموجوع بالعمود الذي عند رأس قبر معاوية عند الشهداء بباب الصغير‏.‏

فهل للدعاء خصوصية قبول أو سرعة إجابة بوقت مخصوص، أو مكان معين، عند قبر نبي ، أو ولي، أو يجوز أن يستغيث إلى الله تعالى في الدعاء بنبي مرسل، أو ملك مقرب، أو بكلامه تعالى، أو بالكعبة، أو بالدعاء المشهور باحتىاط قاف، أو بدعاء أم داود، أو الخضر‏؟‏

وهل يجوز أن يقسم على الله تعالى في السؤال بحق فلان، بحرمة فلان، بجاه المقربين، بأقرب الخلق، أو يقسم بأفعاله وأعمالهم‏؟‏ وهل يجوز تعظيم مكان فيه خلوق وزعفران وسرج؛ لكونه رأي النبي صلى الله عليه وسلم في المنام عنده، أو يجوز تعظيم شجرة يوجد فيها خرق معلقة، ويقال‏:‏ هـذه مباركة يجتمع إليها الرجال الأولياء‏؟‏ وهل يجـوز تعظيم جبـل، أو زيارتـه، أو زيارة ما فيه من المشاهد والآثار، والدعاء فيها والصلاة، كمغارة الدم، وكهف آدم، والآثار، ومغارة الجوع، وقبر شيث، وهابيل، ونوح، وإلىاس، وحزقيل، وشيبال الراعي، وإبراهيم ابن أدهم بجبلة، وعش الغراب ببعلبك، ومغارة الأربعين، وحمام طبرية، وزيارة عسقلان، ومسجد صالح بعكا ـ وهو مشهور بالحرمات والتعظيم والزيارات‏؟‏

/وهل يجوز تحري الدعاء عند القبور وأن تقبل، أو يوقد عندها القناديل والسرج‏؟‏ وهل يحصل للأموات بهذه الأفعال من الأحياء منفعة أو مضرة‏؟‏ وهل الدعاء عند ‏[‏القدم النبوي‏]‏ بدار الحديث الأشرافية بدمشق وغيره، وقدم موسى، ومهد عيسي، ومقام إبراهيم، ورأس الحسين ، وصهيب الرومي، وبلال الحبشي، وأويس القرني، وما أشبه ذلك ـ كله في سائر البلاد، والقري ، والسواحل والجبال، والمشاهد، والمساجد، والجوامع‏؟‏

وكذلك قولهم‏:‏ الدعاء مستجاب عند برج ‏[‏باب كيسان‏]‏ بين بابي الصغير والشرقي مستدبرًا له متوجهًا إلى القبلة، والدعاء عند داخل باب الفرادين، فهل ثبت شيء في إجابة الأدعية في هذه الأماكن أم لا‏؟‏ وهل يجوز أن يستغاث بغير الله تعالى بأن يقول‏:‏ يا جاه محمد، أو ياللست نفيسة، أو يا سيدي أحمد‏!‏ أو إذا عثر أحد وتعسر أو قفز من مكان إلى مكان يقول‏:‏ يآل على‏!‏ أو يآل الشيخ فلان، أم لا‏؟‏ وهل تجوز النذور للأنبياء أو للمشائخ، مثل الشيخ جاكير، أو أبي الوفاء، أو نور الدين الشهيد، أو غيرهم أم لا‏؟‏ وكذلك هل تجوز النذور لقبور أحد من آل بيت النبوة، ومدركه، والأئمة الأربعة، ومشايخ العراق، والعجم، ومصر، والحجاز، وإلىمن، والهند، والمغرب، وجميع الأرض، وجبل قان وغيرها أم لا‏؟‏

/فأجاب‏:‏

الحمد لله رب العالمين، أما قول القائل‏:‏ إن الدعاء مستجاب عند قبور المشايخ الأربعة المذكورين ـ رضي الله عنهم ـ فهو من جنس قول غيره‏:‏ قبر فلان هو الترياق المجرب، ومن جنس ما يقوله أمثال هذا القائل‏:‏ من أن الدعاء مستجاب عند قبر فلان وفلان‏.‏ فإن كثيرًا من الناس يقول مثل هذا القول عند بعض القبور، ثم قد يكون ذلك القبر قد علم أنه قبر رجل صالح من الصحابة أو أهل البيت أو غيرهم من الصالحين، وقد يكون نسبة ذلك القبر إلى ذلك كذبًا أو مجهول الحال؛ مثل أكثر ما يذكر من قبور الأنبياء، وقد يكون صحيحًا والرجل ليس بصالح فإن هذه الأقسام موجودة فيمن يقول مثل هذا القول، أو من يقول‏:‏ إن الدعاء مستجاب عند قبر بعينه، وأنه استجيب له الدعاء عنده، والحال أن ذاك إما قبر معروف بالفسق والابتداع، وإما قبر كافر، كما رأينا من دعا فكشف له حال القبور فبهت لذلك، ورأينا من ذلك أنواعًا‏.‏

وأصل هذا‏:‏ أن قول القائل‏:‏ إن الدعاء مستجاب عند قبور الأنبياء والصالحين، قول ليس له أصل في كتاب الله، ولا سنة رسوله، ولا قاله أحد من الصحابة، ولا التابعين لهم بإحسان، ولا أحد من أئمة المسلمين المشهورين بالإمامة في الدين؛ كمالك، والثوري، والأوزاعي، والليث بن سعد، وأبي حنيفة، والشافعي، وأحمد بن حنبل ، وإسحاق /بن راهويه، وأبي عبيدة، ولا مشايخهم الذين يقتدي بهم؛ كالفضيل بن عياض، وإبراهيم بن أدهم، وأبي سليمان الداراني، وأمثالهم‏.‏

ولم يكن في الصحابة والتابعين والأئمة والمشايخ المتقدمين من يقول‏:‏ إن الدعاء مستجاب عند قبور الأنبياء والصالحين، لا مطلقًا، ولا معينًا، ولا فيهم من قال‏:‏ إن دعاء الإنسان عند قبور الأنبياء والصالحين أفضل من دعائه في غير تلك البقعة، ولا أن الصلاة في تلك البقعة أفضل من الصلاة في غيرها‏.‏ ولا فيهم من كان يتحري الدعاء ولا الصلاة عند هذه القبور، بل أفضل الخلق، وسيدهم هو رسول الله صلى الله عليه وسلم وليس في الأرض قبر اتفـق الناس على أنه قـبر نبي غـير قبره، وقـد اختلفوا في قـبر الخليل وغيره، واتفق الأئمـة على أنه يسلم عليه عند زيارته وعلى صاحبيه، لما في السنن عن أبي هريرة ـ رضي الله عنـه ـ عـن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال‏:‏ ‏(‏ما من رجل يسلم على إلا رد الله على روحي حتى أرد عليه السلام‏)‏‏.‏ وهو حديث جيد‏.‏ وقد روي ابن أبي شيبة والدارقطني عنه‏:‏ ‏(‏مـن سَلَّم على عنـد قبري سـمعته، ومـن صلى على نائيا أبلغته‏)‏‏.‏ وفي إسناده لين‏.‏ لكن له شـواهد ثابتة؛ فإن إبلاغ الصلاة والسلام عليه من البعد قد رواه أهل السنن من غير وجه، كما في السنن عنه صلى الله عليه وسلم أنه قال‏:‏ ‏(‏أكثروا على من الصلاة يوم الجمعة، وليلة الجمعة،/فإن صلاتكم معروضة على‏)‏‏.‏ قالوا‏:‏ كيف تعرض صلاتنا عليك وقد رممت‏؟‏ أي‏:‏ بليت‏.‏ فقال‏:‏ ‏(‏إن الله تعالى حرم على الأرض أن تأكل لحوم الأنبياء‏)‏‏.‏ وفي النسائي وغيره عنه صلى الله عليه وسلم أنه قال‏:‏ ‏(‏إن الله وكل بقبري ملائكة يبلغوني عن أمتى السلام ‏)‏‏.‏ ومع هذا لم يقل أحد منهم‏:‏ إن الدعاء مستجاب عند قبره، ولا أنه يستحب أن يتحري الدعاء متوجها إلى قبره، بل نصوا على نقيض ذلك، واتفقوا كلهم على أنه لا يدعو مستقبل القبر‏.‏

وتنازعوا في السلام عليه‏.‏ فقال الأكثرون ـ كمالك وأحمد وغيرهما ـ‏:‏ يسلم عليه مستقبل القبر، وهو الذي ذكره أصحاب الشافعي، وأظنه منقولا عنه‏.‏ وقال أبو حنيفة وأصحابه‏:‏ بل يسلم عليه مستقبل القبلة، بل نص أئمة السلف على أنه لا يوقف عنده للدعاء مطلقا، كما ذكر ذلك إسماعيل بن إسحاق في ‏[‏كتاب المبسوط‏]‏ وذكره القاضي عياض‏.‏ قـال مالك‏:‏ لا أري أن يقف عند قبر النبي صلى الله عليه وسلم ويدعو، ولكن يسلم ويمضي‏.‏ وقال ـ أيضا ـ في ‏[‏المبسوط‏]‏‏:‏ لا بأس لمن قدم من سفر أو خرج إلى سفر أن يقف على قبر النبي صلى الله عليه وسلم فيصلى عليه ويدعو له ولأبي بكر وعمر‏.‏ فقيل له‏:‏ فإن ناسا من أهل المدينة لا يقدمون من سفر ولا يريدونه يفعلون ذلك فى اليوم مرة أو أكثر، وربما وقفوا فى الجمعة أو فى اليوم المرة والمرتين أو / أكثر عند القبر فيسلمون ويدعون ساعة، فقال‏:‏ لم يبلغنى هذا عن أحد من أهل الفقه ببلدتنا، ولا يصلح آخر هذه الأمة إلا ما أصلح أولها، ولم يبلغنى عن أول هذه الأمة وصدرها أنهم كانوا يفعلون ذلك، إلا من جاء من سفر أو أراده‏.‏ قال ابن القاسم‏:‏ رأيت أهل المدينة إذا خرجوا منها أو دخلوها أتوا القبر وسلموا‏.‏ قال‏:‏ وذلك دأبي‏.‏

فهذا مالك ـ وهو أعلم أهل زمانه ـ أى زمن تابع التابعين بالمدينة النبوية الذين كان أهلها فى زمن الصحابة والتابعين وتابعيهم ـ أعلم الناس بما يشرع عند قبر النبي صلى الله عليه وسلم يكرهون الوقوف للدعاء بعد السلام عليه‏.‏ وبين أن المستحب هو الدعاء له ولصاحبيه، وهو المشروع من الصلاة والسلام، وأن ذلك ـ أيضا ـ لا يستحب لأهل المدينة كل وقت، بل عند القدوم من سفر أو إرادته؛ لأن ذلك تحية له، والمحيا لا يقصد بيته كل وقت لتحيته، بخلاف القادمين من السفر‏.‏ وقال مالك فى رواية أبى وهب‏:‏ إذا سلم على النبي صلى الله عليه وسلم يقف وجهه إلى القبر، لا إلى القبلة، ويدنو ويسلم، ولا يمس القبر بيده‏.‏

وكره مالك أن يقال‏:‏ زرنا قبر النبي صلى الله عليه وسلم‏.‏ قال القاضى عياض‏:‏ كراهة مالك له لإضافته إلى قبر النبي صلى الله عليه وسلم؛ لقوله‏:‏ ‏(‏اللهم لا تجعل قبرى وثنا يعبد، اشتد غضب الله على / قوم اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد‏)‏‏.‏ ينهى عن إضافة هذا اللفظ إلى القبر والتشبه بفعل ذلك؛ قطعا للذريعة، وحسما للباب‏.‏

قلت‏:‏ والأحاديث الكثيرة المروية فى زيارة قبره كلها ضعيفة، بل موضوعة‏.‏ لم يرو الأئمة ولا أهل السنن المتبعة ـ كسنن أبى داود والنسائى ونحوهما ـ فيها شيئاً، ولكن جاء لفظ زيارة القبور فى غير هذا الحديث؛ مثل قوله صلى الله عليه وسلم‏:‏ ‏(‏كنت نهيتكم عن زيارة القبور، ألا فزوروها، فإنها تذكركم الآخرة‏)‏، وكان صلى الله عليه وسلم يعلم أصحابه إذا زاروا القبور أن يقول أحدهم‏:‏ ‏(‏السلام عليكم أهل الديار من المؤمنين والمسلمين، وإنا إن شاء الله بكم لاحقون، يرحم الله المستقدمين منا ومنكم والمستأخرين، نسأل الله لنا ولكم العافية‏)‏‏.‏

ولكن صار لفظ ‏[‏زيارة القبور‏]‏ فى عرف كثير من المتأخرين يتناول ‏[‏الزيارة البدعية‏]‏ و‏[‏الزيارة الشرعية‏]‏، وأكثرهم لا يستعملونها إلا بالمعنى البدعى، لا الشرعى؛ فلهذا كره هذا الإطلاق‏.‏

فأما ‏[‏الزيارة الشرعية‏]‏ فهى من جنس الصلاة على الميت، يقصد بها الدعاء للميت، كما يقصد بالصلاة عليه، كما قال الله فى حق المنافقين‏:‏ ‏{‏وَلاَ تُصَلِّ عَلَى أَحَدٍ مِّنْهُم مَّاتَ أَبَدًا وَلاَ تَقُمْ عَلَىَ قَبْرِهِ‏}‏ ‏[‏التوبة‏:‏ 84‏]‏، فلما نهى عن / الصلاة على المنافقين والقيام على قبورهم، دل ذلك بطريق مفهوم الخطاب وعلة الحكم أن ذلك مشروع فى حق المؤمنين‏.‏ والقيام على قبره بعد الدفن هو من جنس الصلاة عليه قبل الدفن، يراد به الدعاء له‏.‏ وهذا هو الذى مضت به السنة، واستحبه السلف عند زيارة قبور الأنبياء والصالحين‏.‏

وأما ‏[‏الزيارة البدعية‏]‏ فهى من جنس الشرك والذريعة إليه، كما فعل اليهود والنصارى عند قبور الأنبياء والصالحين، قال صلى الله عليه وسلم فى الأحاديث المستفيضة عنه فى الصحاح والسنن والمسانيد‏:‏ ‏(‏لعنة الله على اليهود والنصارى اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد‏)‏ ـ يحذر ما صنعوا‏.‏ وقال‏:‏ ‏(‏إن من كان قبلكم كانوا يتخذون القبور مساجد، ألا فلا تتخذوا القبور مساجد، فإنى أنهاكم عن ذلك‏)‏، وقال‏:‏ ‏(‏إن من شرار الناس من تدركهم الساعة وهم أحياء، والذين يتخذون القبور مساجد‏)‏، وقال‏:‏ ‏(‏لعن الله زوارات القبور، والمتخذين عليها المساجد والسرج‏)‏‏.‏ فإذا كان قد لعن من يتخذ قبور الأنبياء والصالحين مساجد، امتنع أن يكون تحريها للدعاء مستحبا؛ لأن المكان الذى يستحب فيه الدعاء يستحب فىه الصلاة، لأن الدعاء عقب الصلاة أجوب‏.‏ وليس فى الشريعة مكان ينهى عن الصلاة عنده مع أنه يستحب الدعاء عنده‏.‏

وقد نص الأئمة ـ كالشافعى وغيره ـ على أن النهى عن ذلك معلل/بخوف الفتنة بالقبر، لا بمجرد نجاسته، كما يظن ذلك بعض الناس؛ ولهذا كان السلف يأمرون بتسوية القبور وتعفية ما يفتتن به منها، كما أمر عمر بن الخطاب بتعفية قبر دانيال لما ظهر بتســتر،فإنه كتب إليه أبو موسى يذكر أنه قد ظهر قبر دانيال، وأنهم كانوا يستسقون به،فكتب إليه عمر يأمره أن يحفر بالنهار ثلاثة عشر قبرا ثم يدفنه بالليل فى واحد منها ويعفيه لئــلا يفتتن به الناس‏.‏

والذى ذكرناه عن مالك وغيره من الأئمة كان معروفا عند السلف،كما رواه أبو يعلى الموصلى فى ‏[‏مسنده‏]‏، وذكره الحافظ أبو عبد الله المقدسى فى ‏[‏مختاره‏]‏ عن على بن الحسين ابن على بن أبى طالب ـ المعروف بزين العابدين ـ أنه رأى رجلا يجىء إلى فرجة كانت عند قبر النبي صلى الله عليه وسلم فيدخل، فيدعو فيها فنهاه، فقال‏:‏ ألا أحدثكم حديثا سمعته من أبى، عن جدى، عن رسول الله صلى الله عليه وسلم‏؟‏ قال‏:‏ ‏(‏لا تتخذوا قبرى عيدا، ولا بيوتكم قبورا؛ فإن تسليمكم يبلغنى أينما كنتم‏)‏‏.‏ وهذا الحديث فى سنن أبى داود من حديث أبى هريرة، قال‏:‏ قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ‏(‏لا تجعلوا بيوتكم قبورا، ولا تجعلوا قبرى عيدا، وصلوا على، فإن صلاتكم تبلغنى حيث كنتم‏)‏‏.‏ وفى سنن سعيد بن منصور‏:‏ حدثنا عبد العزيز بن محمد، أخبرنى سهيل بن أبى سهيل، قال‏:‏ رآنى الحسن بن / الحسين بن على بن أبى طالب عند القبر، فنادانى وهو فى بيت فاطمة يتعشى، فقال‏:‏ هلم إلى العشاء، فقلت‏:‏ لا أريده‏.‏ فقال‏:‏ ما لى رأيتك عند القبر‏؟‏‏!‏ فقلت‏:‏ سلمت على النبي صلى الله عليه وسلم‏.‏ فقال‏:‏ إذا دخلت المسجد فسلم، ثم قال‏:‏ إن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال‏:‏ ‏(‏لا تتخذوا بيتى عيدا، ولا تتخذوا بيوتكم مقابر، لعن الله اليهود اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد،وصلوا على، فإن صلاتكم تبلغنى حيثما كنتم، ما أنتم ومن بالأندلس إلا سواء‏)‏ ‏.‏وقد بسط الكلام على هذا الأصل فى غير هذا الموضع‏.‏

فإذا كان هذا هو المشروع فى قبر سيد ولد آدم وخير الخلق وأكرمهم على الله، فكيف يقال فى قبر غيره‏؟‏‏!‏ وقد تواتر عن الصحابة أنهم كانوا إذا نزلت بهم الشدائد ـ كحالهم فى الجدب والاستسقاء وعند القتال والاستنصار ـ يدعون الله ويستغيثونه فى المساجد والبيوت، ولم يكونوا يقصدون الدعاء عند قبر / النبي صلى الله عليه وسلم ولا غيره من قبور الأنبياء والصالحين، بل قد ثبت فى الصحيح أن عمر بن الخطاب قال‏:‏ اللهم، إنا كنا إذا أجدبنا توسلنا إليك بنبينا فتسقينا، وإنا نتوسل إليك بعم نبينا فاسقنا، فيسقون‏.‏ فتوسلوا بالعباس، كما كانوا يتوسلون به، وهو أنهم كانوا يتوسلون بدعائه وشفاعته، وهكذا توسلوا بدعاء العباس وشفاعته، ولم يقصدوا الدعاء عند قبر النبي صلى الله عليه وسلم، ولا أقسموا على الله بشىء من مخلوقاته، بل توسلوا إليه بما شرعه من الوسائل، وهى الأعمال الصالحة، ودعاء المؤمنين، كما يتوسل العبد إلى الله بالإيمان بنبيه، وبمحبته، وموالاته، والصلاة عليه والسلام، وكما يتوسلون فى حياته بدعائه وشفاعته كذلك يتوسل الخلق فى الآخرة بدعائه وشفاعته‏.‏ ويتوسل بدعاء الصالحين، كما قال النبي صلى الله عليه وسلم‏:‏ ‏(‏وهل تنصرون وترزقون إلا بضعفائكم؛ بدعائهم، وصلاتهم واستغفارهم‏؟‏‏)‏‏.‏

ومن المعلوم بالاضطرار أن الدعاء عند القبور لو كان أفضل من الدعاء عند غيرها، وهو أحب إلى الله وأجوب، لكان السلف أعلم بذلك من الخلف، وكانوا أسرع إليه؛ فإنهم كانوا أعلم بما يحبه الله ويرضاه، وأسبق إلى طاعته ورضاه، ولكان النبي صلى الله عليه وسلم يبين ذلك، ويرغب فيه؛ فإنه أمر بكل معروف، ونهى عن كل منكر، وما ترك شيئا يقرب إلى الجنة إلا وقد حدث أمته به، ولا شيئًا يبعد عن النار إلا وقد حذر أمته منه، وقد ترك أمته على البيضاء، ليلها كنهارها، لا ينزوى عنها بعده إلا هلك‏.‏ فكيف وقد نهى عن هذا الجنس وحسم مادته بلعنه ونهيه عن اتخاذ القبور مساجد‏؟‏‏!‏ فنهى عن الصلاة لله مستقبلا لها، وإن كان المصلى لا يعبد الموتى ولا يدعوهم، كما نهى عن الصلاة وقت طلوع الشمس ووقت الغروب؛ لأنها /وقت سجود المشركين للشمس، وإن كان المصلى لا يسجد إلا لله؛ سدًا للذريعة، فكيف إذا تحققت المفسدة بأن صار العبد يدعو الميت ويدعو به، كما إذا تحققت المفسدة بالسجود للشمس وقت الطلوع ووقت الغروب‏.‏

وقد كان أصل عبادة الأوثان من تعظيم القبور، كما قال تعالى‏:‏ ‏{‏وَقَالُوا لَا تَذَرُنَّ آلِهَتَكُمْ وَلَا تَذَرُنَّ وَدًّا وَلَا سُوَاعًا وَلَا يَغُوثَ وَيَعُوقَ وَنَسْرًا‏}‏ ‏[‏نوح‏:‏ 23‏]‏، قال السلف ـ كابن عباس وغيره ـ‏:‏ كان هؤلاء قوما صالحين فى قوم نوح، فلما ماتوا عكفوا على قبورهم، ثم صوروا تماثيلهم، ثم عبدوهم‏.‏

ثم من المعلوم أن بمقابر ‏[‏باب الصغير‏]‏ من الصحابة والتابعين وتابعيهم من هو أفضل من هؤلاء المشايخ الأربعة، فكيف يعين هؤلاء للدعاء عند قبورهم دون من هو أفضل منهم‏؟‏‏!‏ ثم إن لكل شيخ من هؤلاء ونحوهم من يحبه ويعظمه بالدعاء دون الشيخ الآخر، فهل أمر الله بالدعاء عند واحد دون غيره، كما يفعل المشركون بهم‏؟‏‏!‏ الذين ضاهوا الذين ‏{‏اتَّخَذُواْ أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَابًا مِّن دُونِ اللّهِ وَالْمَسِيحَ ابْنَ مَرْيَمَ وَمَا أُمِرُواْ إِلاَّ لِيَعْبُدُواْ إِلَـهًا وَاحِدًا لاَّ إِلَـهَ إِلاَّ هُوَ سُبْحَانَهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ‏}‏ ‏[‏التوبة‏:‏ 31‏]‏‏.‏